عبد الرحمن بدوي
319
أرسطو عند العرب
أما أنا فلست أعرف ضرورة أخرى أشد لزوما من هذه . فأما التحليل المستخرج الآن فقائله يقول : فليكن الحد الأوسط أيضا موجودا لجميع الأعظم وغير موجود لبعض ح ؛ فبحسب مباينته لشئ من الأشياء يباينه جزؤه . وأنا أقول : أما أولا فإن هذا أمر غير بيّن ولا معروف من ذاته ، لأنه قد يظن به ضده . إذ كان ليس مباينة الجزء لشئ من الأشياء بحسب مباينة الكل له ، كما أنه ليس اتصال الجزء بشيء « 1 » من الأشياء بحسب اتصال الكل به ، لأنه ليس يمنع مانع أن يكون الكل يتصل بشيء من الأشياء بجزء من أجزائه ، والإنسان يتصل بالضاحك بكليته . فكذلك ليس يفارق الحي الأبيض بحسب مفارقة الغراب ، لكن الحي يفارقه بجزء ويشاركه بآخر ؛ والغراب يفارقه من كل جهة . فليس هو إذا أكثر بيانا ولا أسهل مأخذا من البرهان بالخلف متى قيل مطلقا على هذه الجهة . وبعد ذلك فليبن أنه قد قيل قولا صوابا . فما السبب الذي له يجب أن يؤثره على البرهان بالخلف ؟ لا أدرى أنه لا يوجد برهان يضطر إلى قبوله أكثر من البرهان الذي يسوق إلى الناقض . فهذا ما كان ينبغي أن نقوله في الضروب التي في الشكل الثاني . ونحن قائلون في الضروب التي في الشكل الثالث فيما بعد . يقول هذا الرجل إن الحد الأعظم موجود لكل الأوسط ، وح موجودة لكل الأوسط ، بأن تجعل للأوسط جزءا لكل واحد من الطرفين وشيئا من كل واحد منهما ، فيكون الأعظم - إذ هو موجود للأوسط « 2 » - موجودا ل ح ، على أنه جزء منه وشئ منه . فإن كان وجود الأول لجميع الأوسط ووجود البعض ح وجودا ، فليس هذا قياسا فضلا عن غيره ، لأنه لم يحدث بين الأشياء الموضوعة فيه شئ غيرها . وإذا لم يكن واحدا فلنبحث عن السبب الذي له يوجد الحد الأعظم لجميع الأوسط ولا يوجد لجميع ح . فإنك لا تجد لذلك سببا آخر . غير أن الحد الأول لا ينعكس على ح كليا كما يوجد الحد الأعظم لكل ح في الأشياء التي تنعكس . ولكنه ينبغي لنا أن نعلم من هذا الموضع خاصة أنه إنما حدث في هذه المقدمة شئ غريب كأنه خارج عن الحدود الموضوعة فيها من قبل انعكاس الموجبة الكلية ، إذ لم يتهيأ فيه أن يبقى كليا ، بل انتقل فصار جزئيا . وذلك أن المقدمتين ليس فيهما جزئية أصلا ، والنتيجة جزئية . وكذلك الأمر في الضرب الثاني
--> ( 1 ) ص : شئ . ( 2 ) ص : الأوسط .